الثلاثاء، 15 يوليو 2008

السينما العراقية .......

بين ماضي مشرف وحاضر مشوه ومستقبل مجهول

اثير الشامي

السينما صناعة جبارة , فهي لا تكتفي بصناعة الرأي والفكرة في عقول المتلقي فحسب بل تتعدى ذلك لتصنع عوالم جديدة مبتكرة كان يعتقد انها ستظل اسيرة لخيال الأنسان ولن تتجسد على ارض الواقع وكأنها حقيقة , لقد استطاع السينمائيون أن يخلقوا لنا عوالم وهمية وان يحلقوا بنا الى الفضاء , كما أستطاعوا ايظا ان يعيدونا الى الوراء عشرات ومئات السنين لنعيش مع من سبقونا حياتهم كما هي عبر خلقهم للظروف نفسها أو المشابهة لها التي كان يعيشون فيها في الماضي , لقد حاكوا بخيالهم الواقع وتجاوزوا كل حدود الزمان والمكان والمنطق .

السينما في بداياتها كانت بسيطة التركيب خالية من التعقيد , فكان كل ما يتكلفه المصور او المخرج أنذاك هو الأتيان بفكرة صالحة للتصوير , ثم يقوم بتصويرها وتنفيذها كما هي في مكانها الحقيقي في الطبيعة .

لكن مع الأنتشار الواسع والسريع للسينما , ومع أزدياد عدد الأفلام المنتجة ووصول المنتجين الى اقصى ما يمكن أن يسمح به المتاح وقتها , ظهرت الحاجة الى الأبتكار والتطوير وظهر معها جيل من السينمائيين الرواد في العالم نذكر منهم الفرنسي ( جورج ميله ) والأمريكي ( ادوين سي كريفث ) والأخوين لومير والبريطاني ( هتشكوك ) والكثير من الرواد .

من هذه المقدمة لتاريخ السينما في العالم وبداياتها نعرج على بدايات السينما في العراق وكيف كانت .

بدأت السينما في العراق في عام 1959 بعد أنشاء أول مؤسسة للسينما هي مؤسسة السينما والمسرح , الا ان هذه المؤسسة لم تباشر الأنتاج السينمائي الا بعد النصف الثاني من الستينيات وكانت تكتفي بأنتاج الأفلام الوثائقية ذات الصلة بتلك الفترة وأستمرت على هذه الوتيرة الى عام 1966 .

وخلال الفترة التي سبقت عام 1966 قدم القطاع الخاص من شركات وأفراد عدد من الأفلام , وقد برز في تلك الفترة الكثير من الرواد والمخرجين السينمائيين العراقيين الذين قدموا الكثير من الأفلام وكان منها فلم ( قطار الساعة 7 ) من اخراج حكمت لبيب أواديس عام 1961 الذي يعد واحد من المخرجين العراقيين المميزين , حيث قدم هذا المخرج أفلاماً كثيرة كان لها قيمة فنية وجمالية مثل فلم ( أوراق الخريف ) تمثيل الفنان سليم البصري ومورين ويعد هذا الفلم من الأفلام التي لاقت نجاحاً جماهيرياً مرموقاً في مسيرة السينما العراقية وكونه يحمل موضوعاً أجتماعياً بأخراج متقن وتم أنتاج هذا الفلم عام 1963 , وقبل هذا الفلم تم انتاج فلم ( حوبة المظلوم ) أو ( القرار الأخير ) في عام 1961 من أخراج صفاء محمد علي , وايضا فلم ( أنا العراق ) عام 1961 للمخرج محمد منير ال ياسين , وفلم ( من أجل الوطن ) للمخرج فوزي الجنابي , وفلم ( سلطانة ) للمخرج صفاء محمد علي وفلم مشترك عراقي لبناني ( غرف رقم 7 ) وأيضاً فلم ( مشروع الزواج ) للمخرج كاميران حسني عام 1962 , وفلم ( نعيمة ) لمخرجه عبد الجبار ولي عام 1962 , وفلم ( ابو هيلة ) لمخرجه الكبير محمد شكري جميل وتمثيل يوسف العاني وعرض هذا الفلم في عام 1962 , وفلم ( فجر الحرية ) الذي أخرجه محمد منير عام 1962 .

وقد عرض أول فلم سينمائي عراقي ملون وهو فلم ( نبوخذ نصر ) لمخرجه كامل العزاوي وتمثيل سامي عبد الحميد حيث بدأ التصوير والعمل به في عام 1957 وتم انجازه وعرضه عام 1961 , وهناك الكثير من الأفلام السينمائية الأخرى .

وكانت الأفلام السينمائية تطبع وتحمض في معامل خارج العراق ولكن كان انتاجها وأخراجها داخل العراق , كانت السينما العراقية في تلك الفترة في أعلى مستوياتها وكان لها شأنها في الوسط العربي والعالمي , كان ذلك الوقت هو العصر الذهبي للسينما العراقية .

وبعد تسلم النظام البعثي الفاشي السلطة في العراق ومنذ ذلك الحين بدات السينما شأنها شان باقي مفاصل الحياة في العراق بالتراجع الى الوراء وبعد أن جعلها النظام البعثي تحت طائلته , قام بأجبار الكثير من رواد السينما وصناعها في العراق على أنتاج وصناعة أفلام سينمائية تعبوية تجسد عظمة وبطش وعدوانية النظام البعثي محاولة منه لأخضاع السينما والسينمائيين للتسييس والعسكرة التي كان يقودها ذلك النظام الفاشي , وكانت تلك الفترة فترة عصيبة على الكثير من السينمائيين الأشراف الذين لم يبدلوا أو يساوموا على مبادئهم وجمالية انتقاء المواضيع الانسانية والتي تخدم الأنسان وتوعي المتلقي , مما أجبر الكثيرين منها على الهروب خارج البلد كي لا يصلهم بطش الجلاد .

قام النظام الفاشي في تلك الفترة بأنتاج أفلام تعبوية نذكر منها ( صخب البحر , المنفذون , الحدود الملتهبة ) والكثير من الأفلام التعبوية الخالية من المعايير الأنسانية , حيث كانت هذه الأفلام تطبع وتحمض في معامل داخل بعض الدول العربية التي كانت تتملق للحكومة البعثية , وكانت لهذه الأفلام ميزانيات مفتوحة من قبل الحكومة لا تحدد الا بعد ان يتم تصويرها وطبعها وعرضها .

في تلك الفترة تردى مستوى الأنتاج السينمائي في العراق وبعد ان كان في مقدمة الدول العربية أمسى في مؤخرتها , فقد أصبح من الصعوبة انتاج فلم سينمائي بسبب الرقابة التي التي كان يسميها النظام البعثي ب( السلامة الفكرية ) والتي تعني عدم عدم التعرض للحكومة لا من قريب ولا من بعيد ويجب التملق لها وتمجيدها في كل فيلم يتم تصويره وعرضه في العراق او خارجه ومن يفعل عكس ذلك او يرفض تعتبر فكرة الفلم غير صالحة فكريا , وهذا يعني كم الأفواه واغلاق باب حرية التعبير والرأي والرأي الأخر وايضاً هنالك معوقات مادية بسبب صعوبة الفلم الخام وصعوبة الطبع والتحميض , لذلك نشطت في تلك الفترة زمن البعث أفلام اطلق عليها تسمية ( أفلام السكرين ) والتي كانت بستوى ضحل جداً وهي التي أطاحت بالماضي العريق للسينما العراقية .

وبعد سقوط الصنم وأنهيار الحكومة البعثية وبعد تلك الفترة الطويلة من الظلم والأستبداد ترك ذلك النظام البعثي على عاتق السينما العراقية تركة ثقيلة من سلوك ومخلفات البعث المجرم والتي مازالت لليوم أثارها واضحة والتي ادت الى ابتعاد السينما عن أنتاج أفلام لغرض انساني واجتماعي وثقافي .

هذا ما جعل السينما العراقية في مستقبلا مجهول لا يمكن التكهن به ولا نستطيع ان نعرف متى يمكن لها العودة الى ما كانت عليه ومتى تدور عجلة الأنتاج السينمائي .

الا ان لابد من النهوض بالسينما لمواكبة الأمواج العالية في الانتاج السينمائي في العالم , وكانت هناك عدة محاولات للعودة بالسينما الى ما كانت عليه من قبل مجموعة من السينمائيين الرواد والشباب نذكر منها فلم ( أحلام ) للعراقي المقيم في برطانيا محمد الدراجي , وقد اعتبر هذا الفلم نموذجا لمعاناة العراقيين ما بعد سقوط الصنم والترك الثقيلة التي تركها النظام البعثي للعراق من دمار ومأسي , فلم( أحلام ) يدور حول ثلاثة عوائل بغدادية لا يربط بين أبطالها سوى تقاسم المعاناة بينهم , غير ان قصة الفلم تجمع هؤلاء الأبطال في مستشفى الأمراض العقلية لسبب واحد وهو النظام السياسي بالبلاد فالبطل " علي " الذي يجسده بشير الماجدي المجند الأجباري في نقطة مراقبة قرب الحدود السورية يلقى القبض عليه بتهمة الفرار من ارض المعركة قبيل سقوط النظام بأشهر حيث كان يحاول أنقاذ صديقه الجريح فينتهي بالمصح العقلي بعد معاقبته بقص أذنه .

ومثله أحلام الطالبة الجامعية ( أسيل عادل ) التي ينتهي بها الحال في المصح ذاته بعد أعتقال حبيبها أحمد في ليلة زفافهما لأرتباطه بتنظيم سري لمجموعة اسلامية مناوئة للسلطة فينتهي المطاف بأحلام بفستان الزفاف نزبلة المصح .

ومعها الدكتور الجديد الشاب مهدي ( محمد هاشم ) الذي حرمه أعدام والده بسبب أنتمائه الى الحزب الشيوعي العراقي من إكمال دراسته الطبية العليا , فكان وجوده في المصح العقلي كطبيب عقوبة له كأبن لاحد المعدومين ومعينا للبطلين أحلام وعلي .

وأول فلم عقب سقوط الصنم هو فلم ( غير صالح ) للمخرج الشاب عدي صلاح الذي أعتمد على سكيتشات لا رابط بينها , لكنه كان غير موفق في هذا الفلم لانه ضيع عليه وعلى المشاهد توثيق لحظات مهمة مرت بها بغداد والعراق كله .

رغم عدم شيوع صناعة السينما في العراق والتعامل مع الكاميرا السينمائية كما هو الامر مع الكاميرا التلفزيونية أو الفديو , ولقة سنوات الخبر في الاخراج السينمائي بعد الأنقطاع الطويل , الا ان هذا الافلام كانت كبداية لانطلاق السينما العراقية ولا سيما ان فلم ( أحلام ) يحمل رقم 101 بين الافلام العراقية التي تم انتاجها , وقد تكون هذه الصدفة الجميلة التي وضعت الفلم في هذا الرقم الفاصل بين زمنين متفاوتين ولعله يجلب للسينما العراقية تجارب تختلف عما كانت عليه .

Atheer_18@yahoo.com

المهرجان السينمائي الأول في العراق !!

عرفاناً بالدور الذي تقوم به السينما في صناعة الحياة وبناء المجتمع وتيمناً وتخليداً وعرفاناً ايضاً بالفنانين السينمائيين والمبدعين , أقامة دائرة السينما والمسرح في وزارة الثقافة مهرجان السينما الأول في العراق , حيث شاركت في هذا المهرجان الكثير من الأعمال السينمائية الروائية والتسجيلية ,القصيرة منها والطويلة ,وكانت هذه الأعمال لمخرجين سينمائيين شباب ورواد جاءوا من كل انحاء العراق , وكان المهرجان كرنفالاً للأعمال الأبدعية وكان ناجحاً في أعداده وتنظيمه , وعرضت في المهرجان الكثير من الأعمال الجيدة ذات القيمة الفنية والتي استحقت بدورها الجوائز المرصدة لها من هذا المهرجان .

وكانت الجائزة الأولى بالأضافة الى المبلغ المالي الكبير بأن يتعهد القائمون على هذا المهرجان بتمويل وانتاج فلم أخر للفائز بهذه الجائزة في المكان والزمان الذي هو يختاره , وكانت هذه الجائزة بمثابة دعم وتشجيع للمخرجين والمبدعين العراقيين على تقديم المزيد من الأبداع والأعمال السينمائية ودفع عجلة السينما الى الأمام وأطلق العنان للمبدعين السينمائيين العراقيين لتجسيد أفكارهم ومخيلتهم الخصبة على ارض الواقع .

كما حضر المهرجان الكثير من المثقفين والفنانين والمبدعين والأدباء و….السياسيين , وقد أبدى الحضور أنبهارهم وسعادتهم بالنتاج الفني الذي وصلت اليه السينما العراقية .

على فكرة لم يكن خبر اقامة هذا المهرجان سوى حلماً كان في مخيلتي مثلما هو حلم في مخيلة الكثير من المخرجين العراقيين الشباب في زمن خالي من القصاء والتسيس , زمن كنا نحلم به ان يقام مهرجان للسينما في العراق يحتضن أبنائه المبدعين ويشجعهم على تقديم كل ما جميل وقيم في عالم السينما وأيماناً بأن السينما واحدة من الأدوات التي تصنع المجتمع الحضاري وايضا تصنع الحياة . كنا نحلم بأن نرى بعين الكامرا بلادنا بكل الألوان الزاهية والمشرقة بعيداً عن اللون الأسود والرمادي , كنا نحلم ان تشرق الشمس في بلادنا ولا تغيب ويبقى النور فيها ولا ينطفي .

كنا نحلم ان يأتي يوماً تحتفي بلادي بمبدعيها وفنانيها شأنها شأن باقي الدول العالمية والعربية والتي تحتفي بهم بكل سنة وقد يكون كل يوم .

ياتي يوماً يتنافس المتنافسون ويتبارى المتبارون من المبدعين والمثقفين في باقي دول العالم ليطرحوا نتاجاتهم الفنية والأدبية في بلدي التي أصبحت مركزاً للفنون والأدب , ومكانا يقيم ويقدر المبدعين . ورغم الظروف والصعوبات التي يمر بها العراق ومبدعيه الى انه هناك الكثير من المبدعين الذين يحملون الكثير من الأعمال التي ترفع من مستوى السينما في العراق وغم الأمكانية الغير متاحة لهم وعدم احتضانهم من قبل ذوي الشأن الى انه هناك المادة الخام من الواقع العراقي والأصرار الموجود لدى الشباب للنهوض بالسينما .

فهناك امثال على كثير من الأعمال السينمائية العراقية التي شاركت في العديد من المهرجانات العالمية والعربية وحصلت على العديد من الجوائز القيمة , وقد كان للسينما العراقية أثرها في هذه المهرجانات , وكانت هنالك محاولات بمجهود فردي وشخصي من بعض السينمائيين الشباب للنهوض بالسينما , ففلم ( أحلام ) للمخرج الشاب محمد الدراجي يعد من اروع الأفلام التي انتجت في السينما العراقية كونه نشأ في ظروف صعبة جدا وايضا ارخ حقبة زمنية من تاريخ العراق المعاصر , وقد نال هذا الفلم الكثير من الجوائز العالمية والعربية , وكذلك فلم المخرج الشاب عدي رشيد (غير صالح للعرض ), كان هذين الفلمين محاولة من المخرجين الشباب للوقوف بالسينما العراقية وتمثيلها في المحافل الدولية .

وفي القريب الماضي أقيم في دولة الأمارت العربية مهرجان الخليج السينمائي والأول من نوعه لان الأعمال المشاركة فيه هي اعمال لمخرجين خليجين , وقد كان للسينمائيين العراقين مشاركة كبيرة فيه , حيث ان الأعمال التي تم أختيارها من دول الخليج هي عشرة أفلام , أما الأفلام التي تم أختيارها من العراق هي خمسة عشر فلم من فئات مختلفة , حيث شارك فلم (أحلام ) للمخرج العراقي الشاب محمد الدراجي ضمن فئة الأفلام الروائية الطويلة وفلمه التسجيلي ( حرب , حب , رب وجنون ) وايضا فلم (دبليو دبليو دبليو كلكامش 21) للمخرج طارق هاشم و وفلم لهادي الماهود (ليالي هبوط الغجر ) وايضا فلم (يوم في سجن الكاظمية للنساء ) العائد من مهرجان روتردام السينمائي الدولي للمخرج الشاب عدي صلاح , وفي فئة الأفلام القصيرة فلم (طريق الموت )للمخرج سنان نجم , وفلم ( دار دور ) للمخرج الشاب أسعد كريم , وفي فئة الأفلام الطلبة القصيرة والتسجيلية بثمانية أفلام هي ( تقويم شخصي) و( خوذة مثقوبة ) في مسابقة الأفلام القصية فئة الطلبة وتشمل الأفلام المشاركة في فئة الافلام التسجيلية للطلبة فلم ( البقاء) للمخرج مناف شاكر وفلم حبيب باسم (التفكير بالرحيل ) وفلم ( الرحيل ) للمخرج بهرام الزهيري , فلم ( دكتور نبيل ) للمخرج أحمد جبار , فلم ( غريب في وطنه) للمخرج حسنين الهاني , فلم ( شمعة لمقهى الشهبندر ) للمخرج عماد علي , وفي ختام المهرجان وبدء الأعلان على الجوائز كان للعراق الحصة الأكبر من الجوائز فقد حصل فلم ( أحلام ) للمخرج محمد الدراجي على الجائزة الأولى للمهرجان للأفلام الطويلة وحصل ايضا فلم ( يوم في سجن الكاظمية للنساء ) للمخرج عدي صلاح على الجائزة الثالثة للأفلام الوثائقية , وفي فئة الافلام الوثائقية للطلبة حصل فلم ( الرحيل )للمخرج بهرام الزهيري على الجائزة الاولى , ومن نفس الفئة حاز فلم (شمعة لمقهى الشهبندر) لعماد علي على الجائزة الثالثة , وفاز بالجائزة الثانية للافلام القصيرة للطلاب فلم ( تقويم شخصي ) لبشيرالماجد .

هذا المهرجان ان دل على شيء دل على كثرة المبدعين والمثقفين العراقية , هذا والكثير من الأعمال العراقية التي شاركت في الكثير من المهرجانات العالمية وحصلت على الكثير من الجوائز , حيث كانت مشاركة العراقيين تظفي نكهة على هذه المشاركات .

هنا انا أتسائل اما آن الآوان حتى تقوم مؤسساتنا وحكومتنا على دعم هؤلاء المبدعين وكل المثقفين , ودعم كل ماهو جميل وخلاق ومبدع في عالم السينما والأدب والفنون علماً انهم بأستعداد دائم من أجل رفع أسم العراق عالياً في جميع المحافل الدولية .

اثير الشامي

atheeralshami@yahoo.com

سينما البعث

اثير الشامي

يقال ان الادب والفن هما مراة الأمة ، اي انهما انعكاسا لما عليه الامم من حضارة وتقدم او انحطاط وتدهور ، حتى وصل الامر من البعض ان يقسم العصور من عصور نهضة او تدهور من خلال الادب والفن ، فأن كانت الاداب مزدهرة والفنون مشتغل بها سمي هذا العصر بعصر النهظة او العصر الذهبي وما الى ذلك ،وان كانت الاداب والفنون لايعمل بها والمشتغلون بها لايشارلهم سمي هذا العصر بعصر الانحطاط او العصور المظلمة .

وفي زمن يقاد به الفن والفنانين وتكمم به الأفواه , زمن كان يسيطر فيه الحديد والنار على كل ما هو أنساني وجميل , ذلك هو زمن البعث في سنين عجاف امتهن الفن والفنانين على يد المؤسسة الحاكمة والتي لاتنتمي الى هذا الوسط بل بالعكس تشعر بالغربة والريبة والحذر مما جعلها تعمل وبشكل سافر ومبرمج لتشويه صورة هذا المرفق الثقافي من خلال وضع عناصر تفتقر الى ابسط مقومات الثقافة والفن على راس المؤسسات التي تعنى بالشأن الثقافي والفني ولم يكونوا سوى امعات تنفذ رغبات راس النظام وتدور في فلك التمجيد والتسبيح بحمد القائد الظرورة والحزب القائد .

واذا علمنا ان سلطة البعث ومن خلال سياسة "التبعيث " والتي لم تستثني ايا من المرافق الحياتية للشعب العراقي الا ودسة انفها فيه ومنها الاداب والفنون والثقافة فالفنون التشكيلية يجب ان تخضع لللادلجة وعلى الفنان التشكيلي ان يرسم بفلك البعث فكان مهرجان الحزب ، ومهرجان الواسطي ، وفي الاداب والشعر كان مهرجان المربد وعلى الاديب ان يسبح في بحر الحزب الاوحد

ويطهر ذنوبه المتهم بها من قبل السلطة الحكيمة .

وفي الفنون الشعبية والفلكلورية والغناء كان هناك مهرجان بابل الدولي والذي حشدت له الامكانيات المادية الكبيرة وجلبت له الفرق الغنائية من اقصى بلاد الشرق الى اقصى بلاد الغرب لتمجيد حفيد نبو خذ نصر وابن سلالة بابل .

ولم تكن السينما العراقية بمعزل عن هذا التوجه ،على الرغم من ان بدايات السينما العراقية لم يكن للسلطة يدا بها ،ولكن بعد ان سيطر حزب البعث على مقاليد السلطة في العراق ،وبالخصوص بعد وصول صدام حسين الى السلطة ، وبعد ان اقنع صدام قيادات الحزب بضرورة كتابة تاريخ حزب البعث وتوثيقه سينمائيا –ارجوا الانتباه الى عبارة تاريخ الحزب وليس تاريخ صدام – ولكن بما ان الحزب هو صدام وصدام هو الحزب كما ان صدام هو الوطن والوطن هو صدام فلا باس بذلك ، تم انتاج الايام الطويلة وهي ايام طويلة وبائسة حقا على العراقيين .

ويتحدث المخرج السينمائي قاسم حول عن الايام الطويلة وعن ظروف وطريقة انتاج هذا الفلم

"عندما شعر رئيس النظام العراقي صدام حسين بألم في فقراته في عام 1975، وطلب إليه أطباؤه المكوث في السرير لفترة من الوقت، استدعى عددا من كتاب الرواية العراقية لكي يروي لهم وهو على سرير العلاج تاريخه السياسي ونضاله في وصول حزب البعث إلى السلطة في العراق. وكان كتاب القصة والرواية يتسابقون للفوز برواية تحقق لهم الشهرة والمال. وكان أكثرهم حماسا وسرعة في الأداء الشاعر عبد الأمير معله وهو ليس كاتبا روائيا إنما كان يكتب الشعر ويشغل منصب مدير مؤسسة السينما العراقية. كان يكتب فصول الرواية يوما بيوم ويطبعها في الصباح لتكون بين يدي صدام حسين قبل عقد الجلسة التالية لفقرات الرئيس.

وهكذا فاز ( معله ) بمجد رواية أطلق عليها اسم ( الأيام الطويلة ) التي تم طبع ملايين النسخ منها، وبأكثر من لغة، وأتخذ القرار الإعلامي بتحويلها إلى فيلم سينمائي تقرر أن لا توضع له ميزانية محددة، بل أن تكون ميزانية إنتاج هذا الفيلم ( ميزانية مفتوحة ) وهو تعبير لم تستخدمه هوليوود حتى في أضخم أفلامها القديمة إنتاجا مثل ( الوصايا العشر ) و ( ذهب مع الريح( " .

واختير المخرج المصري ( توفيق صالح ) لاخراج الفلم بعد ان فتحت الميزانية المفتوحة شهيته على الرغم من ان توفيق صالح لم يكن منسجما مع التوجه القومي لحزب البعث بسبب خلفيته الثقافية اليسارية .وتم انتاج الفلم ووزع بكافة دور العرض العراقية وروج له بدعاية كبيرة ولم يخلص العراقيين من عرض الفلم في مناسبة وغير مناسبة الابعد ان قتل بطل الفلم صدام كامل على يد القائد الضرورة بثورة الغضب واعتبر بطل الفلم من شهداء ثورة الغضب !!!!

وقبل دخول العراق الحرب العراقية الايرانية وفي خضم التهيئة التعبوية لما يسمى الريح الصفراء القادمة من الشرق وان قادسية صدام هي امتدادا لقادسية العرب لدحر الاطماع الفارسية على حد تعبير وسائل الاعلام البعثية تم انتاج فلم "القادسية" والذي يصورمعركة القادسية التي حدثت بين المسلمين والفرس في القرن الاول الهجري ومعروف لما لهذا الموضوع من اهداف عنصرية وطائفية لاتخفى على احد .

وهذا الفلم تم تخصيص ميزانية كبير له تقدر باكثر من (30) مليون دولار وهي كما يقول المختصون اعلى ميزانية لسينما عربية في ذلك الوقت .

وتعتبر السينما احدى وسائل الاتصال المهمة بين جميع دول العالم وكذلك تعتبر لغة التفاهم الوحيدة بين جميع لغات العالم , حيث كان من شأنها أن تأخذ بيد العراق الى التقدم والأنفتاح على باقي ثقافات المجتمعات الأخرى , وكذلك نقل الواقع الأجتماعي والثقافي للعراق الى جميع دول العالم .

وقد كان للسينما العراقية ما يشرفها بالوسط العربي والعالمي ولها من روادها ما يرفع الرأس قبيل تدخل النظام البعثي فيها , لكن نظام البعث لم يترك السينما وشأنها بدأ يزج أنفه فيها وبدأ يسيرها في ركبه وقام بعسكرتها من خلال أقامة مؤسسات أعلامية وسينمائية تحت مسميات وأشراف عسكري يريد من خلاله أخضاع السينما والسينمائيين لتوحيد جهودهم في سبيل خدمة النظام البعثي وليس خدمة البلد والتاريخ الثقافي .

ومن تلك المؤسسات دائرة السينما والمسرح , ودائرة الأذاعة والتلفزيون والتي كانت تدار من قبل جهات عسكرية آبان الحرب العراقية الأيرانية وأيضاً كانت هناك عسكرة للفنانين والمسرح من خلال انشاء فرقة االمسرح العسكري وفرقة الانشاد العسكري ولم تسلم حتى الفرقة القومية للتمثيل والتي تاسست بوقت مبكر على الرغم من محاولات بعض العاملين بها التخلص من طوق السلطة ولكنها بقيت محاولات ليس الا . وغيرها الكثير من تلك المؤسسات التي كانت تخضع للتوجيه السياسي آبان حكم البعث .

وقد ركز النظام البعثي على السينما بأعتبارها وسيلة مهمة من وسائل الأيصال للمتلقي وايضاً لها قاعدة كبيرة من الجمهورمن اجل أخضاعها لسيطرته , وتم أنتاج الكثير من الأفلام التعبوية التي ليس لها من الفن شيء وكذلك أجبار الكثير من الفنانين والسينمائيين والحرفيين للقيام بذلك محاولة منه ااسيطرة على الروءى الايدلوجية وحصرها في اطار الفكر القومي والبعثي فقط .

وهنا تسأول يدور في أذهان الكثيرين , ماهي الرسائل المتوخاة من تلك الأفلام ؟ وما المراد أيصله للمتلقي والجمهور ؟ وما سر البطل الذي لا يقهر في تلك الأفلام ؟ ولماذا الأستخفاف والسخرية من المقابل ؟.

لكي نجيب على كل تلك الاسئلة يجب ان نأخذ بعض الأمثلة من تلك الأفلام التعبوية , نذكر منها ( الحدود الملتهبة , المنفذون ، الفرس والجبل ) , حيث نلاحظ بعد قراءتها ان هذه الأفلام متشابهة الى حد كبير من حيث الفكرة والتأليف , ان هذه الأفلام تعرض لنا شراسة وبطش النظام البعثي بكل من يحاول ان يزاحمه على السلطة وان الرسائل التي تريد ان توصلها تلك الأفلام للمتلقي ان من يحاول المساس بالسلطة يفنى ويبطش به ويعتبر خائن ويكفر ومن يحاول التصدي أو الوقوف بوجه النظام البعثي لا تقوم له قائمة , ان هذه الأفلام تعرض لنا ان اي جهة أو جماعة خارجية كانت ام داخلية تقف في وجه النظام البعثي تعتبر خائنة وعدو وتستحق الموت وكذلك تنقل تلك الأفلام للمتلقي وتوضح له زيفاً كان ام حقيقة أن النظام البعثي على حق وان من يقف ضده خائن ورذيل , كذلك يحاول النظام البعثي من خلال تلك الأفلام أخافة المتلقي وتعرض له مصير من يحاول الأطاحة بها وأخافته ايضاً بذلك البطل الذي لا يقهر والذي لا يمكن الحاق الذى به والذي يلاحق كل من يحاول المساس بحكومته من أجل أخضاع الشعب وهو المقصود الاول والأخير من كل هذه الأفلام لأن هذه الترهات لا تمض مع غيره .

لذلك يسهب النظام من خلال تلك الأفلام التعبوية من أجل الأسفاف والتسفيه بالمقابل وجعل بطلها هو الذي يسيطر على زمام الأمور , فكان المقصود من تلك الأفلام والرسائل التي كانت ترسلها هي أخافة الشعب أو الجمهور من ذلك البطل الذي لا يقهر وان من يجرأ على مقاومته خارجية كانت الجهة ام داخلية فلا يستطيع ذلك وينال من العقاب ما يناله .

من كل ما تقدم نحاول ان نظهر بعض مخططات نظام البعث للسيطرة بالحديد والنارعلى الشعب ومقدراته وقمع اي محاول ترفض الظلم وتنشد التحرر , كان الفرد العرقي والشعب هو المقصود والعدو الوحيد للنظام البعثي وان واجبه هو قمعه ورده وليس العدو الخارجي كما يدعون .

Atheer_18@yahoo.com

الانتماء للوطن..وليس للطائفة!

المواطنة..كيف نرسخها؟



لطيف قاسم





يقول الامام علي "عليه السلام"بتعريف الوطن "الوطن ما حملك "



الوطن والوطنية والمواطنة كلمات كبار، تلتصقان بالطفل منذ الولادة، لانه بالفعل ولد مواطنا، وينتمي إلى وطن، والوطن ليس قطعة ارض يقيم عليها الإنسان ولكنه تاريخ، وروابط اجتماعية، ومعنوية، ومادية تشد الإنسان إلى مكان ما تجعله على استعداد للدفاع عنه بكل ما يستطيع من قوة.ولكن في العراق ارتبطت كل هذه المفاهيم والمسميات بالحاكم وخصوصا في عهد النظام البعثي حيث ارتبط الوطن بصدام واختزلت الوطنية بالتصفيق لصدام ولم يصبح حب الوطن من الايمان بل اصبح حب صدام والتهليل له من الوطنية وليست مصلحة البلاد والمواطنين والدفاع عن مصالحهم ،وهكذا تشوهت صورة المواطنة واصبحت عبارة "هذا وطني " شتيمة تعني في اغلب الاحوال ان هذا الشخص من رجالات السلطة وجماعة صدام .وهو امرا محزنا ان تتحول الوطنية الى شتيمة وعار على اصحابها .

وقد امرنا الله بالدفاع عن أرضنا وحمايتها ولنا في قصة سيدنا موسى مع بني إسرائيل عبرة وموعظة، عندما أمر الله بني إسرائيل أن يطيعوا نبي الله موسى "عليه السلام" وأن يدخلوا الأرض المقدسة لتحريرها وحمايتها ولكن بني إسرائيل عصوه قائلين (( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون)).

فحكم الله تبارك وتعالى عليهم بالتيه في الأرض أربعين سنة، وكان هذا من اقسى العقوبات التي مرت بالتاريخ البشري ان يكون الانسان بلا وطن .

وحب الوطن والانتماء له ليس فقط من الإيمان، بل من الفطرة السليمة، ليس عند الإنسان فحسب بل الأحياء عموما، فهناك الحيوانات التي تهاجم أيّ دخيل على حدودها، والنباتات التي تفرز مواد سامة حول جذورها وجذوعها لتبيد أيّ أعشاب متطفلة على موطنها، فأينما يوجد وطن فلابد من وجود مواطن، فالوطن بلا مواطن كالشجرة الخاوية على عروشها، والمواطن بلا وطن إنسان بلا هوية تائه في الأرض.

ولكن هل الإنسان في العصر الحديث بصورة عامة او العراقي بصورة خاصة بعد التغيير الكبيرالذي جرى على البنية الاجتماعية والسياسية في المجتمع يدرك معنى الانتماء للوطن؟ وهل يستطيع القائمون على مناهج التربية والتعليم والاعلام والمؤسسات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني ان تغير تلك الصورة وذاك الارتباط بين الحاكم والوطنية ؟

وما دور الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والجهات الحكومية والسياسية المعنية بتنمية أو إضعاف روح المواطنة والانتماء داخل المواطن ؟ هذا ما سوف نعرفه من خلال التحقيق التالي.



تعريف المواطنة

القاسم المشترك بين الأفكار السياسية كافة اتفقت على ان المواطنة هي ان يخضع المواطن للوطن من حيث الانتماء والتوجيه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهذا معناه ألا يلجأ إلى قوة أخرى خارج الدولة ليستمد منها الإرشاد أو التوجه في قراره السياسي.

والانتماء للوطن يعني ان المواطن كما عليه واجبات فله أيضا حقوق ولكن هذا لا يعني ان هذه مقابل تلك، أي عندما لا يعطيك الوطن ما تريد يكون من حقك ان تخونه أو ترفضه، ولنا في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أسوة حسنة فعلى الرغم من إخراجه من موطنه الأصلي مكة وهجرته إلى المدينة، ظل يردد انها احب البلاد إلى قلبه وما كان ليخرج منها لولا ان أخرجه قومه، كما ان الإمام شمس الدين المهدي وهو إمام علامة من كبار المرجعيات الشيعية ذكر في كتابه (التجديد في الفكر الإسلامي) الصادر عام 1997 ان ولاء المواطن يجب ان يكون للدولة وليس للطائفة، وقد أكدت الأديان السماوية في أصولها الصحيحة، وكذلك المفكرون من ذوي الانتمات الدينية كافة ان مفهوم الانتماء للوطن هو الولاء للأرض التي يعيشون عليها.

الطائفية من اخطر التحديات التي تواجه بناء المجتمع الداخلي وتؤثر في تماسك لحمته، ويجب على المواطن ايا كان انتماؤه الطائفي ان يكون ولاؤه للوطن لاللحاكم لان الحاكم راحل لامحالة والوطن باقي على مدى الدهر ، وهذا لا يتحقق سوى من خلال إحساسه بان الدولة وليست الطائفة هي مصدر الثواب والعقاب وإنها هي المانحة والمانعة، الأمر الذى يعني الحد من هيمنة الطوائف فكرا وسلوكا على أفراد الشعب.

ويجب ترسيخ مفهوم المواطنة داخل الطفل من خلال الأسرة والمدرسةوالتان لهما دور أساسي في تنمية المواطنة والانتماء داخل الطفل، فعندما يشب الطفل بين عائلة تنتقد النظام وتبدي عدم رضاها عن موطنها، ثم يجد المدرس دائم السخط على وضعه مقارنة بسواه، فيشب الطفل متشبعا بهذه الأفكار مما يوجد لديه نوعا من القبلية والحزبية غير الاجتماعية التي تفصل الفرد عن المجتمع الذي ينتمي إليه، ثم تأتي مسئولية الدور الإعلامي في تغذية روح المواطنة أو إضعافها، خاصة بالنسبة إلى الإعلام المرئي لانه يترك اثرا قويا في المتلقي.



ولاننسى ان العولمة كشفتنا بشكل قبيح لوجود عيوب وقصور في التربية المقدمة للشباب وان الدول الحديثة ركزت في الإنسان اكثر من المواطن، وان أخلاقيات المواطنة تعتمد في هذه الدول على أن الدولة يجب أن تكون أخلاقية في تعاملها مع المواطن بقدر ما يتوقع من المواطن أن يكون أخلاقيا في تعامله مع الدولة ومع المواطنين الآخرين.



وان الحل ببساطة يكمن في التربية، تلك القوى المهملة التي يجب أن تسخر أولا لصنع وبناء الانسان العراقي قبل المواطن العراقي ، حيث يرى أن الفرق بين مفهوم المواطن والإنسان هو الفرق بين الواقع والمثال.



دراسة المواطنة



والذي نراه ضرورة تعزيز مفاهيم الانتماء والمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان في المناهج المدرسية، ومن خلال التعليم اللاصفي ضمن منظور تربوي وحياتي شامل، وفى هذا الصدد يجرى تدريب المعلمين على المشاركة واحترام الرأي الآخر وتعليم الطلبة الممارسة الديمقراطية من خلال زياراتهم المتكررة للمجلس الوطني "مثلا " وعلى وزارة التربية والتعليم ان تهدف إلى تنشئة الأطفال العراقيين على القيم الأخلاقية التي يتمسك بها مجتمعنا انطلاقا من انتمائهم العربي والإسلامي وهويته الحضارية وانفتاحه على العالم والتعاون من اجل الخير والسلام، وتنشئة الطلبة على الولاء الكامل للوطن والدولة وليس لفلان او علان من تلك العناوين الضيقة والتي تحصر الولاء بها فقط وغيره الخيانه العظمى كما كان النظام السابق يروج وينشا جيلا منغلقا على ذاتة ولايتفاعل مع غيره ، ونبذ العنف والتعصب، مع اعتماد العقلانية في تحليل المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والى ضرورة تنشئة الطلبة على الوعي بالمسئولية الاجتماعية وتقديرها والحرص على أداء الواجب واحترام قيم العمل المنتج والرأي الآخر.

الانتماء والمواطنة قيم سلوكية تكتسب من خلال ممارسة النشاطات وليست معلومات يتم تحصيلها عن طريق مقرر يتم تدريسه، ليس معنى ذلك أنني اعترض على وجود مقررات من هذا النوع، ففي السبعينيات كان هناك مقرر ومؤلفات تدرس في مراحل الدراسة كافة، وعلى ذلك أرى انها ضرورية ولكني أرى أيضا أن أساس المواطنة الحقة في الممارسة الفعلية للسلوكات السليمة التي تمارس في الواقع، وإذا أردنا تربية الطالب كي يشعر بالمواطنة فيجب أن ننظر نظرة أوسع إلى المسألة القيمية، التي ينبغي أن تشمل كل النشاطات المدرسية وكل فعالياتها، فالتربية الوطنية يجب أن تكون مسئولية كل مدرس وكل عامل وكل منهج مدرسي لترسيخ معنى السلوك والقيم للانتماء الحق بالفعل وليس بالمعلومات التي يستقيها الطالب من المقرر المدرسي

. و أن التوعية بالمواطنة يجب أن تمتد إلى المسجد والمحاضرة الحسينية ومؤسسات المجتمع المدني، فالشباب يحتاج إلى تعلم موقفي وهذا واضح في الإسلام فالعمل الفعلي هو الذى له اثر في السلوك الجمعي بالتطبيق وليس بالقول وقد قال الله في كتابه العزيز((يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)).



الامان الاقتصادي



ولاننسى ايضا أن الشعور بالمواطنة والانتماء للوطن يأتي من شعور الفرد بالأمان الاقتصادي والسياسي في وطنه، وهذا الشعور يؤدي به إلى زيادة الانتاج لمحاولة الارتفاع بمستواه الاقتصادي مما يشعره بالانتماء اكثر إلى هذا الوطن، والشعور بالانتماء يتزايد مع ارتفاع مستوى الحياة التي تؤدي بالمواطن إلى صيانه كرامته في وطنه.

ونلاحظا ان المواطن في الدول الغربية له قيمته داخل وخارج بلادة على عكس المواطن العربي الذى تزداد قيمته خارج بلاده في احيان كثيرة، وحتى يشعر المواطن بالانتماء إلى بلد ما يجب أن يوجد ما يميزه سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

ومن المفارقات الغريبة ان العربي والمسلم والعراقي بالخصوص عندما كان يضطر الى الهروب من وطنه (ودائما ماكان ذلك) ولايستطيع ان يلجأ الا لبلدان الغرب ويحتظن وتقدم له كل مقومات الحياة الحرة الكريمة والتي افتقدها في وطنه ،والاغرب ان هذا (الهارب ) سيكون بامكانه ان يصرف ويعيل امه وابيه الباقين في وطنهما (دار الاسلام )من مال (دار الكفر ) وتلك هي مفارقة عجيبة !!!



مواكبة إعلامية



وهناك أهمية كبيرةو دورفاعل للاعلام المرئي في التأثير الإيجابي على المواطن فالاعلام بفروعه المتعددة وسيلة رئيسية وفعالة في إيصال مختلف الثقافات عبر الحضارات، والإعلام المرئي أحد الوسائل الإعلامية التي نستطيع الاستفادة منها إيجابا أو سلبا، والإعلام ليس وعظا وإرشادا فقد تخطينا هذه الطريقة التي لم تعد مجدية مع الحداثة والعولمة وعصر الإنترنت الذى نعيشه الآن، واصبحت القيم المجتمعية وصور المواطنة والانتماء يتم غرسها بشكل غير مباشر عن طريق النشيد والمسلسل وبرنامج الأطفال التي تؤكد جميعها المحبةوالروابط الوثيقة بين الوطن والمواطن، ولا ننسى البرامج الحوارية التي تعكس وجهات النظر المختلفة من جانب الضيف والمذيع وكلها تنبع من منطلق حب الوطن، ومهما تباينت الآراء يبقى الجوهر والهدف الرئيسي هو حب الأرض واختلاف الآراء يجب ألا يصل إلى التطاول وتعدي الحدود المسموح بها، فمن الممكن ان نطالب بالتعديل والتحسين ولكن بطريقه حضارية من خلال عرض وجهات النظر كافة.



التقدير لذاته

الطفل يعيش في دوائر من البيئات الاجتماعية تبدأ بذاته، ولذلك يجب على الأسرة ان تنمي فيه الشعور والتقدير لذاته كي يشب وهو فخور ومعتز بوجوده في هذه الأسرة مما يجعله يشعر بالانتماء إليها، ثم تبدأ الأسرة بتوسيع دائرة المعارف لدى الطفل ولكن ليس بالوعظ والإرشاد والشعارات وإنما بالسلوك والتصرفات، من خلال تحميله بمجموعة من المسئوليات والواجبات وأيضا الحقوق كي تنمى فيه القدرة على إيجاد توازن لمنظومة القيم بداخله، وحتى يعرف ان عليه واجبات وله حقوق، ويستمر دور الأسرة في تعزيز الإحساس بالمواطنة داخل الطفل، وذلك بحثه على المحافظة على نظافة أي مكان يذهب إليه، مثل الحديقة أو المجمع التجاري حتى يشعر بأن هذا المكان يخصه وبالتالي يشعر بالانتماء إليه.

واحتكاك الطفل بزملائه في المدرسة يجعله يشعر بذاته من خلال الآخرين، وشعوره بأنه جزء من مجموع يخلق توازنا نفسيا داخله مما يجعله ينتمي إلى مجتمع المدرسة، التي يجب أن تشرح للطفل ببساطة معنى الانتماء للرموز الوطنية المتمثلة في العلم والخريطة والنشيد الوطني، فعندما يطلب من الطفل ان يحترم العلم فيجب ان يفهم بطريقة مبسطة ما معنى العلم، أو الوقوف عند عزف النشيدالوطني فيجب ان يفهم لماذا يقف؟ وان الانتماء لا يدرس في الكتب ولكن من خلال مرور الطفل بالكثير من الخبرات والتجارب التي يكتسبها عن طريق الاحتكاك بالمجموعات التي يتعايش معها في وطنه الصغير المتمثل في أسرته ومدرسته وزملائه في الرياضة التي يمارسها، والمحافظة على نظافة المكان الذى ينتمي إليه، ثم يأتي الانتماء تلقائيا إلى كل جزء في الوطن الكبير.

واخيرا

هناك الكثير من العوامل التي تؤثر بشكل مباشر في المواطن، كالنظام السياسي ودوره في التعامل مع جميع الأفراد على قدم المساواة، وسعي الحكومة من اجل إشباع حاجات المواطنين بإتاحة الفرص المتكافئة لهم للتمتع بخيرات الدولة، كما ان الجانب الديني له أهمية كبرى ويجب ان يتناغم ما يبثه علماء الدين مع مفهوم المواطنة، وأيضا توجد قوى رئيسية مؤثرة في الأشخاص مثل الانتماء الحزبي أو السياسي أو الأيديولوجي للجمعيات أو الأحزاب السياسية تعد القوى الرئيسية التي تؤثر في مدى انتماء الفرد، لأنها تعيد صياغته حسب مبادئها مما يضعف أو يقوي انتماءه.

ومن حق كل مواطن ان يعمل في العمل السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي وفقا لرغباته وإمكاناته وظروفه ولكن عليه ان يدرك ان هناك قنوات شرعية لكل دولة لممارسة أي عمل، وان المواطنة هي اهم ركيزة في العمل السياسي وان الولاء للوطن يسمو على كافة الولايات.


النكتة السياسية ودورها في تعرية النظام المقبور


لطيف قاسم

تعددت الاساليب والطرق التي استخدمها الشعب العراقي في مقارعة النظام البعثي البائد ، ففي بدايات الصراع مع النظام كانت "الكتابة على الجدران" واحدة من اسرع واسهل الطرق للتعبير عن الرفض والمعارضة لذالك الظلم الواقع على الشعب العراقي من قبل جلاديه ، وتطور الامر فكان "المنشور" المكتوب بخط اليد في اكثر الاحيان وسيلة اخرى لبث الوعي الجماهيري وفضح النظام الطاغي ، ثم "الجريدة والمنشور المطبوع "والتي كانت تاتي من خارج الوطن ويتم نشرها بسرية تامة بين اوساط المجتمع العراقي ، في الوقت الذي كان من غير الممكن بل من المستحيل اصدار جريدة او منشور داخل العراق وكانت هناك محاولات ذهب ضحيتها المحاولين بها نتيجة الضغط الامني الذي كان يمارسه النظام آنذاك ، واخيرا كان "الكفاح المسلح "بعد ان لم يترك النظام أية فرصة سلمية لعمل المعارضة العراقية في الساحة السياسية ، واصبح العمل العسكري مفروضا على القوى المعارضة بعد ان استباح صدام دماء الشعب العراقي من الشمال حتى الجنوب .

وواحدة من اساليب المعارضة والمقارعة لذلك النظام المتجبر وبعد ان وصل الامر حد لايطاق من الطغيان والتعسف بحق العاملين في الساحة السياسية المعارضة للنظام وخوف الشعب من ذلك البطش ومن باب (اضعف الايمان ) كانت ((النكتة السياسية)) والتي استخدمها الشعب العراقي كأسلوب من اساليب النقد أو التعليق او السخرية من شخصيات النظام ، أو ظاهرة معينه أو قرار سياسي معين ، وكانت النكته في ذلك الزمن المر فعلا تأمريا معارضا يشترك فيه "القائل والمستمع " يقلق النظام البعثي كما تقلقه العمليات العسكرية ويعاقب عليها كما يعاقب على الفعل العسكري فقد اعتبرها من الجرائم التي تمس امن البلد وتم محاكمة الكثيرين بهذا الخصوص ، وكانت هناك شعبة مختصة في كل الاجهزة الامنية تتابع انتشار النكته في الشارع العراقي ، وكانت تضع النكات المضادة لها ، لأن النظام كان يعتبرها دعاية سياسية - وهي كذلك في بعض جوانبها - كونها تفضح وتنتقد هذا النظام الخائف من كل شئ حتى النكتة .

ولا يظن البعض أن ((النكتة)) في ذلك العهد مجرد حكاية قصيرة تقال لتضحك الاخرين وحسب بل هي عمل واعي ومبرمج يهدف الى فعل سياسي مقصود ومحدد لتوعية الناس حول فعل ما صدر من قبل السلطة ، فقد كان الشعب العراقي مكبلا ومصادر الرأي والفعل ،ولايمكن له توجيه النقد الصريح ،وكما قلنا فقد تنوعت فعالياته السياسية في جوانب متعددة ابتداء من البندقية والمظاهرة المسلحة ومرورا بالتنوير بالمنشور والإذاعة وانتهاء بالتنظيم الحزبي السري ،وكانت النكتة في ذلك الوقت سريعة الانتشار والتأثير لكونها شفوية ،ومقبولة نفسيا ،ولأن المخاطرة فيها اقل من استخدام وسائل المعارضة السياسية الأخرى .

ولأن (النكتة السياسية) تتحرك في جانبين او اتجاهين ،السري والمعلن في ان واحد فهي صريحة لأنها تقال وتتداول وتنتشر بعلانية وان كانت محدودة ، وسرية لأنها فعل متواطئ عليه بين قائلها ومستمعها والذي سيصبح قائلها لاحقا ،ان جملة السلبيات والاخطاء السياسية وعمليات القمع وانتهاكات حقوق الانسان التي كان النظام يرتكبها كانت تحت رصد ومعاينة الوعي السياسي الجماهيري ، قبل ان تكون مرصودة من قبل الغالبية المغشوشة بالدعاية الاعلامية ، وبما أن ما كان يحدث له اتصال يومي بحياة الفرد العراقي فيحتم ذلك ان يكون له راي في جميع ما يحدث من مجريات سياسية ويخضعها للنقد والتحليل واطلاق الرأي واتخاذ الموقف ، وعليه فقد كانت النكتة رأيا في الوضع والظاهرة السياسية لأنها مارست وبوعي نقدا او استهجانا بهما ، وانها تصدر عن انسانا يعي الاخطاء ويفسر الظاهرة ،وبناءا على هذا شكلت النكتة جزءا من معارضته وعنصرا من عناصر التصادم مع النظام .

وابتكرت المخيلة الشعبية العراقية نكتا سياسية عن بعض شخصيات النظام البعثي المخلوع امثال (عزت الدوري) والملقب لديهم (عزوز أبو الثلج) صاحب النكتة المشهورة ((الفيل يطير)) أو عن (طه محي الدين معروف)الذي لايحل ولا يربط ولذلك فهو لا يلبس الحذاء (القيطان) ويرتدي (القبقلي ) دائما ،وحتى صدام بنكاتهم عن تنكره وتجواله ببغداد ايام الانتفاضة وحروبه البشعة ، ان فعل السخرية من هؤلاء قائم في النكتة الشعبية السياسية وهي وان بدت فطرية وعفوية ولكنها كحالة مسجلة في الرأي السياسي الجماهيري الواعي والمتنور.

وفي بعض الاحيان ربما يكون للسلطة دورا باستصغار هولاء للابقاء على شخصية صدام الرصينة والقوية والوحيدة التي تمتلك القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه ، فتأتي النكات التي تنال من صدام كهجوم معاكس من الوعي الشعبي اتجاه السلطة ، وفي جانب اخر ربما اتخذت السلطة الحاكمة انذاك من النكتة السياسية سلاح للترويج لفكرة معينة او لطعن حالة تهدد استقرارها السياسي ، فكثير من النكات كانت تشاع وتطرح دون معرفة مقاصدها ، لأن الجماهير تعاملت معها كنكتة خارج الهدف السياسي ، ولاتعي تلك الجماهير انها ابتكرت من قبل خبراء موظفين في المؤسسات المخابراتية لتسخيرها كسلاح فعال حالها حال (الإشاعة) .

ولم تنسى النكته الاجهزة الامنية والاستخبارية القمعية ووسائل التعذيب التى كانت تمارس والمفارقات التي كانت تحدث بين السجين والسجان ، وتلك المحاكمات الوهمية التي تعرض لها الشعب العراقي ، فتتحدث احداها عن مدير الامن الذي ارسل بطلب (معلم الانكليزية) بناءا على طلب ابنته الضعيفة في هذه المادة ، وفي خضم الاعمال نسي هذا المدير المعلم وبعد سبعة ايام ، ذكرته أبنته بالموضوع وهو بدوره ذكر مساعديه بهذا فما كان منهم الاان قالوا "نعم سيدي المعلم اعترف بأشتراكه بالمؤامرة ) عجيب اية مؤامرة ، وماذا تعرض له هذا المسكين ليعترف على نفسة بامر لم يرتكبه مطلقا ، واخرى تتحدث عن مسابقة للاجهزة الامنية في العالم وقد اطلقوا لهم غزالا وطلب منهم جلبه بالسرعة الممكنة ، فجلبته المخابرات الامريكية بعد عشر دقائق ، والمخابرات الروسية بعد ربع ساعة وهكذا الى ان وصل الامر الى المخابرات العراقية وبعد اكثرمن شهر ذهبوا اليهم فوجدوهم ممسكين بالحمار ويضربونه بالكيبلات وهم يقولن له (اعترف وكول اني غزال) ، ودور هذه النكته واضح بفضح تلك الاجهزة وتعريتها من خلال انها تعتقل على الشبهة لابل تعدم على الشبهة .

وابتكرت المخيلة الشعبية وبالاعتماد على الموروث الشعبي العراقي والعربي والاسلامي انتاج النكات المضادة لصدام بالخصوص ، حيت تعرضت لدكتاتوريته وتهوره وسلوكياته المشهورة بالنقد والسخرية والاستهجان ولم تتمكن السلطة بكل قوتها وبولسيتها على تطويق النكتة ومحاصرتها لأنها ابتكار يومي ويتفاعل بسرعة ، فتم اخذ تلك القصص والتي تتحدث عن الطغات والمتجبرين وربطها بما كان يحدث وكذلك ربطها بصدام بالخصوص ، فقصة الوالي العثماني الذي جمع وجهاء ومرجعيات الشعب العراقي وعرض عليهم (عنزا) البسه عقال وطلب منهم معرفة الجالس امامهم ، فقال بعضهم انه (عنزا) فخطئه وغرمه مبلغ كبير من المال ، وجاء الاخر فقال له انه احد (الشيوخ) فخطئه ايضا وغرمه مبلغ كبيرا من المال ، وهكذا الى ان وصل لرجل حكيم منهم فقال له (هاك الغرامة اولا وهذا لاهو عنزا ولاشيخ انه غضب من الله انزل على ايدك ) ، والدلالة واضحة هنا ان الموضوع يخص صدام ونظامة الذي يستجبي الضرائب وبحجج واهية .

وحصلت مغامرات النظام الحربية المدمرة كالحرب العراقية الايرانية وغزو الكويت على نصيب كبير من الطرائف التي ناقشت واعترضت على الحرب وتداعياتها ففي الحرب الاولى والتي يئس الشعب العراقي من ايقافها وايقاف نزيف الدم الذي يتعرض له شباب العراق كانت تلك النكتة التي تتحدث عن جندي وشم على يده عبارة (قادسية صدام) فشاهده الرئيس صدام ، وقال له احسنت يابني ولكن اذا أنتهت الحرب ماذا ستفعل فقال له (اكص ايدي اذا خلصت الحرب) ، ومثلها المدفئة التي صنعها العراق وسماها (قادسية صدام ) ووضعوا لها مفتاح اشعال دون مفتاح اطفاء وعند اعتراض البعض قيل لهم ان قادسية صدام (اذا اشتعلت ما تنطفي ).

واخرى تتحدث عن شخص اشترى سيارة وذهب الى مديرية مرور محافظة (الكويت) المحافظة التاسعة عشر ، لوضع لوحات التسجيل الخاصة بتلك المدينة ولكن بعد ان عاد الى البيت اكتشف ان اللوحة تقرأ (عراق بحرين وليس عراق كويت) ، فعاد في اليوم الثاني الى شرطي المرور فقال له هذا انا اسف لقد اخطأت ووضعت لك لوحة السنة القادمة ، وفي هذا اشارة واضحة ان صدام كانت عنده اجندة لابتلاع كل دول الخليج لو تم له ذلك .

وجاء زمن الحصار الاقتصادي وما عاناه ابناء الشعب من حصار فرضه النظام على العراقين اضافة الى الامم المتحدة وانتقدت النكته تلك الفترة وكيف ان النظام يتنعم في خيرات البلد فيما ابناء الشعب يعانون الجوع والمرض والموت وتم تثقيف الشارع العراقي ان الحصار من النظام وانه استخدمه شماعة لتعليق اخفاقة بادارة الملف الاقتصادي ، فتذكر النكتة ان احد القروين جاء بخروف كبير لبيعه في بغداد وكان كبشا سمينا فسأله رجل الشرطة في سيطرة المدينة (ماذاتطعم هذا الكبش ليصبح هكذا )فقال له (اوكله شعير) فأوسعه الشرطي ضربا كيف تطعمه شعيرا ونحن في الحصار ، وهكذا جاء الى السيطرة الاخرى فقال لهم (اوكله حنطة)وضربوه ايضا وفي الثالثه كذالك وعند وصوله الى السيطرة الرابعة قال لهم (انالااوكله لاحنطة ولاشعير ولاتمن ،بل اعطيه مصروفة وهو الذي يأكل ) .

وعندما اصدر صدام امره بعدم استخدام المصطلحات الاجنبية ،جاءت النكته تتحدث عن ان صدام وفي احدى زياراته الى التصنيع العسكري سأل العاملين لماذا المعمل متوقف ؟ فاجابوه بأن (الستيم قليل ) فأمرهم بجمع الستيم من الاسواق المحلية ، وفي هذا اشارة واضحة على جهل القائد الضرورة وان تدخله بكافة المواضيع الا من باب الفرض والاجبار .

ربما نبتسم او نضحك عند تذكرنا تلك الطرائف والهزليات ، ولكن في الامر جانب مأساوي في هذا الموضوع وقد دفع العديد من العراقيين سنوات طويلة من اعمارهم في سجون البعث لمجرد انهم قالوا او سمعوا نكته ، وغير قليل من العراقيين خسر حياتة واعدم لأن النظام كان يعتبر الاول متأمر والاخر متستر علية ويجب ان يعدموا ، وتلك هي اكثر النكات مرارة وسخرية .


اعرف نفسك

اعرف نفسك

لطيف قاسم

تحكي أسطورة هندية قديمة أن رجلا طيبا وجد بيضة نسر في البيداء و قد سقطت بعيدا عن عشها الأصلي فأخذها و وضعها في عش إحدى دجاجات مزرعته فمرت الأيام و فقس البيض فرأى النسر الصغير النور وسط مجموعة من كتاكيت المزرعة فعاش بينهم و كبر وسطهم.

طيلة حياته مكث النسر وسط الدجاج يبحث عن الديدان في التراب نهارا و يأوي إلى القن ليلا، حتى الأصوات التي صار يصدرها لا تختلف كثيرا عن قوقأة الدجاج، و عندما كان يحاول الطيران، لا يطير ابعد من بعض أمتار مثله مثل أي دجاجة في المزرعة.

فمرت السنين فكبر النسر الصغير وفي احد الأيام و هو ينبش التراب برجله في ساحة قن الدجاج رأى طائرا جميلا يحلق بطريقة رائعة في الأعلى في السماء الصافية، يرتفع و ينخفض في الأجواء بمهارة عالية، فتساءل النسر يا له من طائر فخم و ساطع ليتني أستطيع التحليق مثله لكنه قوبل بضحكات الاستهزاء من الدجاج، انه النسر ملك الطيور، قوقأت دجاجة كانت بجنبه أما أنت فلا تعدو كونك دجاجة مزرعة فلا تحلم كثيرا فلن تكون يوما نسرا مثله.

هكذا توقف حلم نسرنا عن التحليق في الأعلى و قضى حياته و هو يعتقد انه دجاجة مزرعة و مات و هو يعتقد في ذلك.

فهل تعرف أنت نفسك من تكون، قد تكون نسرا يعيش وسط خم الدجاج و عوض أن تحلق عاليا في الأجواء لا زلت تكتفي بالنبش قي التراب. قليلون هم من يعرفون نفسهم و يدركون نقط قوتهم و النقط التي يجب عليهم تحسينها، اشتهر فرانكلن روزفلت بالمقولة الشهيرة الآتية: يشترك الزعماء الكبار بشئ واحد، معرفتهم العميقة بأنفسهم، فهم يعرفون نقط قوتهم و يقوونها باستمرار، و لا تخفى عنهم نقط ضعفهم و يعرفون كيف يغطونها عبر الاستعانة بالمحيطين بهم ليكملوا أنفسهم بهم!

و قد كان الصينيين يعتقدون بأن معرفة الآخرين علم بينما معرفة الإنسان ذاته ذكاء و للأسف لا يتمتع الكثير منا بهذا الذكاء.

الإنسان مخلوق مليء بالخفايا والأسرار توافقاً مع التعبير الرباني ( ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم(.لذا من الضروري بل الواجب على كل واع أن يعرف ذاته وحقيقته، لان هذه المعرفة تساعده على تطوره و تقدمه في مجالات الحياة كافة، ومدى إمكانية التهيؤ للارتقاء في مدارج الإنسانية الصالحة.

لا يوجد إنسان كامل، كلنا لدينا نقاط قوة و كلنا أيضا لدينا نقاط ضعف، الناجحون هم الذين يعرفون ذاتهم و يكتشفون مبكرا نقاط قوتهم و يركزون عليها، و لا يضيعون وقتهم في محاولة إصلاح نقاط ضعفهم، بل يستعينون بمن حولهم لسد الفراغ.

كشف تقرير لمجلة «فوكوس» الألمانية، عن الوصايا العشر التي يمكن من خلالها تحقيق النجاح الوظيفي والوصول إلى أعلى المراتب، من خلال معلومات إحدى الخبيرات الألمانيات في مجال ما يسمى تسويق الذات.

وجاء في التقرير الذي نشرته المجلة على موقعها على الانترنت، أن معرفة خصائص الذات احتلّت النصيحة الأولى في سلّم الوصايا، يليها تحديد الأهداف التي يرغب الإنسان في تحقيقها، ثم الحفاظ على الإشراقة والودّ في شكل مستمر.

لذا حاول معرفة خصائص نفسك، تسائل مع نفسك، ما هي الأمور التي تتقنها وتتفوق فيها على المحيطين بك ثم ابحث عن الأمور التي تنقصك فيها المهارة، لا اسميها نقاط ضعف لأنها هذه الخصاص يجب أن تدفعك للنقاش مع الناس لمحاولة تغطية النقص و هذا في حد ذاته شئ ايجابي.

بعد أن احدد هذه النقاط، اسأل نفسي من المحيطين بي يتفوق في هذا الأمر و يمكنني الاستعانة به في وقت الشدة.

و قبل كل شيء إن المعرفة الحقيقية بالذات هدف قائم بذاته لان من خلال هذه المعرفة تعرف حقيقة ذاتك وحقيقة مالك وما عليك، وصدق من قال: (من عرف نفسه، عرف ربه)، و لان من خلال هذه المعرفة يمكن للإنسان امتلاك رؤية جيدة و واعية عن نفسه و عن قدراته و اخذ المواقف المناسبة و المطلوبة عند كل عارض كما تمكنه من معرفة تصور الآخرين لشخصيته.

و في الختام يجب الإشارة أن الإنسان عبد ما يؤمن به، فإذا كنت نسراً و تحلم بالتحليق عالياً في سماء النجاح، فتابع أحلامك و لا تركن إلى واقعك السلبي ولا تستمع لكلمات الدجاج (الخاذلين لطموحك ممن حولك!) حيث أن القدرة والطاقة على تحقيق ذلك متواجدتين لديك بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى.

واعلم بأن نظرتك الشخصية لذاتك وطموحك هما اللذان يحددان نجاحك من فشلك! لذا فاسع أن تصقل نفسك، وأن ترفع من احترامك ونظرتك لذاتك فهي السبيل لنجاحك، ورافق من يقوي عزيمتك . قال تعالى: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "

كلكم حواريــّون فمن يهوذا

ياسين العطواني

مامن سياسي او موظف حكومي كبير تلقاه هذه الأيام إلا والهم يعتلج في صدره ، والأسى يتلظى على وجهه من حالة أنتشار ظاهرة الفساد المالي والأداري في أوصال الدولة العراقية . واذا اخذ البعض يتخوف اليوم فزعا ً من إنتشار وباء الكوليرا في بعض مناطق البلاد ، فلا اعتقد ان هذا الوباء اكثر خطورة ً وفزعا ً من وباء الفساد المالي والأداري الذي يستشري في طول البلاد وعرضها . فالأول يمكن تشخيصة مبكرا ً ومن ثم علاجة من خلال اتخاذ الأجراءات الوقائية والعلاجية ، إلا ان وباء الفساد المالي لم يتم لحد الآن التشخيص الدقيق له ، وتحديد الجهات والأشخاص التي تتحمل هذا الفايروس، وبالتالي لم يوضع العلاج الناجع له ، وقبل ذلك لم تتخذ الأجراءات الوقائية قبل انتشاره واستفحاله .
والأدهى من ذلك ان البعض من مؤسسات الدولة ، وحتى بعض الأوساط السياسية والأجتماعية باتت تعامل مع ( ثقافة الفساد ) وكأنها من المسلمات العرفية التي لا يمكن التخلص منها . وقد جسد هذه الحقيقة التقرير الصادر من منظمة الشفافية العالمية الذي صدر مؤخرا ً، والذي صنف العراق في مقدمة الدول في مجال الفساد المالي الى جانب الصومال وبوركينفاسو وما نيمار ! ، ومما يحز في النفس ان يوضع العراق كبلد ، وهو صاحب السفر الخالد ، لا سيما في مجال القوانيين والتشريعات بهذه المنزلة المزرية وبمصاف بلدان تقبع في أدغال افريقيا ، ولم تستكمل بعد مقومات الدولة الحديثة ، بل هي اقرب الى التكوين القبلي منه الى مفهوم الدولة ، مع احترامنا وتقديرنا الى شعوب هذه البلدان.
ومما زاد الطين بلة ان يصل الأمر الى الشخص المفترض ان يكون قد جمع الفضيلة كلها ، تثار حوله الكثير من الشبهات وهو المؤتمن على نزاهة الآخرين . وهذه التهم بعمومها ومرارتها نستشف من خلالها مدى الخلل الكبير الذي ينتاب مؤسسات الدولة ، وعدم الموائمة بين الأختيار غير السليم لتولي المسؤولية من قبل شخوص وجهات ليس فقط غير مؤهلة بل هي تحتاج الى تأهيل . وهكذا نسمع اليوم من الجميع ، إلا السخط الحاقد والنقد اللاذع من كل لسان ، وفي كل حديث ، وفي أي المجالس، لما هو حاصل ، فيقف المواطن البسيط موقف المشدوه بين العجب والغضب ، ويتساءل : اذا كنتم ياقوم حواريــّين ، فمن يهوذا الذي خان السيد المسيح بدوانقه الثلاثين . كلكم يَــلوم فمن المـُلام ، وكلكم يـَـتهم فمن المـُـتهم... ؟ .
وبهذه المناسبة ، وعظ احد الوعاظ عــِـظة تقاطرت عليها دموع اصحابه ، ثم افتقد مصحفه وكان الى جانبه فلم يجده ! فنظرأليهم وكلهم من أثر كلامه لا يملك دمعه وقال: ويحكم كلكم يبكي فمن سرق المصحف !؟ .





حرية التعبير ... وثلاث صور عربية


ياسين العطواني

تعتبر الحرية من القيم الجوهرية التي تميز بها الكائن البشري عن سواه من المخلوقات ، وقد أولت الرسالات السماوية والقوانيين الوضعية اهمية كبرى لحرية الأنسان ، على اعتبار ان هذا المخلوق يجب ان يكون حرا ً، لا يدين بالعبودية إلا لخالقه، وعلى هذا فلابد من الايمان بالحرية على صعيد المبدأ وعلى صعيد العمل ، فالأنسان حر في داخله ، ويجب ان يكون حرا ً في خارجه، فهذه هي المساحة الحقيقية للحرية . وما لم يحس الأنسان إحساسا ً كاملا ً بأنه قادر على التعبير عن رأيه والأفصاح عما في داخله فأنه سيتحول الى كائن متمرد سيدفعه الكبت الى البحث عن خيارات أخرى ، حتى لو كانت ممنوعة أو مرفوضة إجتماعيا ً أو ذات إتجاهات متطرفة ومغالية ، ويروي لنا التاريخ كيف ولدت التيارات المتطرفة في أجواء الحصار ومصادرة حرية التعبير ، بينما كانت في أصولها وبداياتها معتدلة . أردنا من هذا الأستهلال الدخول الى أجواء حرية التعبير في العالم العربي، وخصوصا ً في المجال الأعلامي ، والمساحة المتاحة التي يمكن التحرك من خلالها لممارسة النشاط الأعلامي والثقافي بمهنية وبعيدا ً عن دائرة الرقيب الحكومي ، من خلال ثلاث صور عربية ، أخذت في أوقات متقاربة ، تبين لنا الحالة المأساوية التي يعاني منها الواقع العربي في مجال حرية التعبير ، وسياسة تكميم الأفواه المتبعة في أغلب البلدان العربية.
الأولى ما حدثت في مصر ، وذلك عندما تم الحكم على أربعة من روؤساء الصحف المصرية بالحبس بتهمة التشهير والتجاوز على مقام رئيس الجمهورية . ولكن حقيقة ما حدث هو تساؤل بعض الصحف المصرية عن سبب ( الغيبة الصغرى) للسيد الرئيس ، وعدم ظهورة عبر وسائل الأعلام لفترة ليست بالقصيرة مما عزا بعض وسائل الأعلام سبب ذلك الى أحتمال مرض الرئيس ، ووجود بعض المشاكل الصحية التي تمنعه من الظهور العلني ، وهذا الأمور تحدث عادة ً مع كل الأنظمة الشمولية التي تفتقد الى الشفافية وخصوصا ً فيما يتعلق بظهور واختفاء روؤساء الأنظمة فيها، فالمعروف عن هذه الأنظمة انها مصابة بهوس الظهور على شاشات التلفاز بمناسبة وبدون مناسبة ، وعندما يحدث العكس فان سبب ذلك يعزو الى وجود عارض ومانع حقيقي يحول دون الظهور المستمر كما هو متعارف عليه . ولا اعتقد ان في ذلك ما يسيء الى الرئيس او ينال من مقامة ، مع العلم ان هذا الأمر لا يتعارض مع قانون الصحافة المصري، وما جاء به من تشريعات ونصوص قانونية تكفل حرية التعبير وابداء الرأي على نطاق واسع.
الصورة الأخرى ما جرى في المملكة المغربية ، عندما تم اعتقال احد الكتاب المغاربة بتهمة المساس بالذات المقدسة لأمير المؤمنيين جلالة الملك ( وهو اللقب الرسمي المعتمد في البلاد ) ، على خلفية مقال نشره في احدى الصحف المغربية ، و مما جاء في هذا المقال مجرد تساءل بسيط من قبل الكاتب عن الأوضاع التي تشهدها البلاد، والى اين تتجة ، وسط جملة من الأزمات السياسية والأقتصادية والأجتماعية ، ولا اعتقد ان في هذا التساؤل مايثير الريبة أو التجاوز ، والأدهى من ذلك ان هذا الكاتب جوبه بانتقادات شتى وحمله شعواء من قبل زملاء له ، لا لشي سوى التقرب زلفى للسلطان .
أما الصورة الثالثة فقد اتتنا هذه المرة من الجماهيرية الليبية العربية الأشتراكية الشعبية الأفريقية السواحيلية الأمايزيغية الصحراوية العضمى !، وبالذات من نجل القذافي سيف الأسلام ، والذي يشغل الآن منصب وديع من خلال ترأسه لأحدى منظمات حقوق الأنسان، وكما هو دأب الأنظمة العربية والتي تتبنى سياسة التوريث ، فعادة ً ما يشغل ولاة العهود المهيئين لخلافة آبائهم مناصب رمزية بعيدا ً عن الجانب السياسي ، وخصوصا ً في مجال الرياضة ، وحقوق الأنسان ، والمنظمات الخيرية، وهذا هو حال سيف الأسلام ، فمن خلال هذه المنظمة طرح مااسماه بمشروع سياسي اصلاحي لأنقاذ ليبيا ، وقد احتوى هذا ( المشروع الأصلاحي ) على فقرات انشائية مكررة وموجهة بالدرجة الأولي للأستهلاك الداخلي ، وعند تفحص هذا المشروع يتبين للمتابع البسيط ان اهم ما جاء فيه هو اطفاء صفة الألوهية والعصمة الأبدية على ابيه معمر القذافي ، وبقاءه في منصبه مدى الحياة ، وذلك عندما خُتم بعبارة تقول ( أن معمر القذافي خط أحمر ) وهذا يعني ان كل ما جرى وسيجري في المستقبل من حديث عن عملية التغيير في البلاد يجب ان لا يتجاوز هذا الخط الأحمر والمتمثل بالقائد الزعيم ، وبذلك انهى اي محاولة لأي اصلاح حقيقي في البلاد ، ومنع اي تساؤل او ابداء رأي من قبل اي مواطن ليبي. وهكذا فأن كل المشاريع التي تطرح في المنطقة العربية لا تعدو ان تكون إلا تكريسا ً للديكتاتورية ، وذر الرماد في العيون، مادامت سياسة التوريث هي القاسم المشترك الذي يجمع بين مختلف الأنظمة العربية بشقيها الملكي والجمهوري.
هذه ثلاث نماذج لثلاث بلدان عربية تعكس الواقع المرير لعموم شعوب المنطقة وما تعانية من تهميش وتغييب في صنع القرار السياسي ، وكذلك مصادرة الرأي العام الذي لا يتفق مع وجة نظر النظام السياسي الرسمي . والملاحظ ان كل مايجري من محاولات اصلاحية ، وما يتعلق بالحريات العامة في هذا البلد العربي او ذاك لا يعدو ان يكون إلا معالجات تجميلية ، بل هناك تراجع في بعض البلدان العربية في مجال حرية التعبير عن الرأي وحقوق الأنسان ،
على مختلف انظمتها ، فهي تتفق على الأستراتيجيات وربما تختلف في الأساليب في استمرارها وبقائها في الحكم. والشيء بالشيء يذكر فعلى الرغم من سوداوية الواقع العربي في مجال الحريات العامة وحرية التعبير على وجه الخصوص ، إلا اننا في هذه البلاد وفي يوم ٍ ما عندما كانت الخفافيش تعشعش في كل زاوية مظلمة من ارض العراق ، كنا ومجموعة من الأصدقاء نردد دائما ً ، يكفينا 5% مما لدى الآخرين من هامش الحرية في بعض البلدان العربية ، وهي بما هي عليه ، وهذا يعكس كم هو حجم المآساة والكبت الذي كان يعانيه ابناء هذه البلاد . ولعل هذه هو السبب الحقيقي لحالة الجفاء بل والعداء الذي تبديه الكثير من الأنظمة العربية والكارتيلات السياسية والأعلامية المرتبطة بهذه الأنظمة تجاه الوضع الجديد في العراق وما يشهده من انفتاح سياسي واعلامي وثقافي ، بالرغم من كل ما يوضع من عصي في دولاب العملية السياسية الجارية الآن في البلاد.



كيبوسات عراقية


ياسين العطواني


لا تزال في الذاكرة تلك الصُحبة المباركة مع والدي رحمه الله عندما كان يطلب مني مرافقته لحراسة دار جارنا الصابئي وهو يحتفل بأهم الأعياد المقدسة لديهم والمسمى بالبنجة أو (عيد الكرصة ) ، ففي هذا الطقس يتحصن المندائيون في بيوتهم ويقومون بخزن الماء والطعام ويستمر هذا الحال لمدة 36 ساعة ، وفي هذه الايام لا يسمح بدخول الدار من قبل اي شخص خلال فترة التكريص وعدم لمس الحيوانات والنباتات ، حيث نقوم انا ووالدي بحراسة بساتينهم ومواشيهم ، بل وحتى إطعام كلبهم ذات اللون الرمادي ، لأن طبيعة الطقس الديني لديهم لا يسمح لهم بالخروج من داخل بيوتهم ، وحقيقة ً كُنا نشعر بالفخر والزهو ونحن نقوم بإداء هذه الخدمة . اما الذي ذكرني بهذه الحادثة والتي مضى عليها ما يقارب الثلاث عقود ونيف ، ذلك المشهد التراجيدي والذي تجري وقائعه اليوم في بعض المناطق والمحلات ذات الطبيعة الديمغرافية المميزة ، حيث يتم تهجبر بعض العوائل واجبارهم على ترك سكناهم وتحت ذرائع شتى ، بحيث تحولت بعض المناطق والحارات والشوارع الى أشبه ما يكون بالكيبوسات المغلقة ، و لا ندري من اين أتت هذه الثقافة الجديدة والغير أخلاقية على مجتمعنا ، فلم يــُعرف عن المجتمع العراقي هذا التنافر والتباعد ، لا في تقاليده الأجتماعية الموروثة ، ولا معتقداتة الدينية تسمح له بذلك ، وهنا نتساءل عن صفة من يقوم بهذه الأفعال المُخجلة والمقيتة ، والى أي ملة ينتسبون ، فان كانوا عربا ً فها هي الحكايات والقصص التي ورثناها وهي تتحدث عن حماية الغريب والأجير والدَخيل ، بل إن بعضهم أجاره البهائم التي دخلت في حماه ، وان كانوا مسلمين ، فلنا في رسول الله قدوة حسنة ، فها هو يتفقد ويـعيد جاره اليهودي المريض ، والذي تذكره بعد ان اختفت تلك الأكوام من القمامة التي كان يُلقيها يوميا ً امام داره ، اذن من اين أتوا بتلك المفاهيم الغريبة . نحن نعلم بأن هناك أطراف محلية وأقليمية ودولية تعمل جاهدة ً ، وبكل ما أتت من قوة من أجل وصول الحالة العراقية الى ما هو أسوء مما عليه الآن ، وظل هذا الحلف الغير مقدس يطرح بين الفينة والآخرى العديد من الأوراق التي تتلائم وطبيعة كل مرحلة ، وقد جاء الآن دور الورقة الجديدة والمتمثلة بسياسة التطهير العرقي والطائفي ، ورغم علمنا بأن أجواء التطرف هي التي تخيم على البلاد الآن ، إلا ان ذلك لا يغفر لإصحاب الحل والعقد في المناطق التي تتم فيها عمليات التهجير من التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة والغريبة في آن ٍ معا ً ، ورغم ان الأمر ليس بتلك السهولة ، إلا انه في الوقت عينه ليس بالمستحيل ، فالشيء المؤكد ان هذه التصرفات طارئة على مجتمعنا ، وهي بعيدة كل البعد عن أعرافة وتقاليدة ، وستزول بزوال مسبباتها ، وستنجرف يوما ً هذه الطحالب والعليقات الطافية و المنقطعة الجذور عندما يهدر تيار الوطنية الحقة ، ولكن يجب التنويه والأشارة هنا الى طبيعة الخطاب السياسي والديني المتطرف الذي يتبناه البعض والذي ساهم بشكل أو بآخر في أذكاء جذوة التطرف لدى البعض . وختاما ً نقول من أراد التخلص من البعوض ، فعليه تجفيف المستنقعات .